الشيخ محمد رشيد رضا

468

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الضب وحاجبه . ومن أمثالهم « أخدع من ضب » ويقولون : طريق خادع وخيدع . أي مضل كأنه يخدع سالكه فيحسبه موصلا إلى غايته أو قريبا وهو ليس كذلك . والخداع صيغة مشاركة ، ومعناه الذي يؤخذ مما ذكرنا من استعمالهم هو إيهامك ان الشيء أو الشخص على ما تحب أو تريد وهو على غير ما تحب وما تريد كما يوهم جحر الضب من يريد صيده انه قريب المنال ليس دونه مانع فإذا مد يده اليه لدغته العقرب ، فإن لم يكن هنالك عقرب خرج الضب من الباب الآخر ورجع الصائد بخفي حنين ، وكما يوهم الطريق الخيدع سالكه فيضل دون الغاية التي يطلبها . قال الراغب « الخداع إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه قال تعالى « يُخادِعُونَ اللَّهَ » أي يخادعون رسوله وأولياءه ونسب ذلك إلى اللّه تعالى من حيث إن معاملة الرسول كمعاملته ولذلك قال « إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ » وجعل ذلك خداعا له تفظيعا لفعلهم وتنبيها على عظم الرسول وعظم أوليائه . وقول أهل اللغة : إن هذا على حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه ، فيجب أن يعلم أن المقصود بمثله في الحذف لا يحصل لو أتي بالمضاف المحذوف لما ذكرنا من التنبيه على أمرين أحدهما فظاعة فعلهم فيما تحروه من الخديعة وانهم بمخادعتهم إياه يخادعون اللّه ، والثاني التنبيه على عظم المقصود بالخداع وأن معاملته كمعاملة اللّه - وأعاد هنا الاستشهاد بآية المبايعة - أقول فسر مخادعة اللّه عز وجل بمخادعة رسول اللّه ( ص ) وأوليائه وهم الصحابة ( رض ) لان المعاملة كانت بين المنافقين وبينهم ، ولأن المؤمنين باللّه لا يقصدون مخادعته ، والمعطلين لا يؤمنون بوجوده والمعدوم لا تتوجه النفس إلى معاملته ، فان قيل : ان هؤلاء هم الذين قال اللّه فيهم أول سورة البقرة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وقد عزا إليهم المخادعة هنالك في الآية التي بعد هذه الآية ، وذكرت في تفسيرها عن الأستاذ الامام انهم صنف ثالث غير المؤمنين والكافرين الذين ذكروا ثمت في آيات أخرى وان المراد بهم أن إيمانهم باللّه على غير الوجه الصحيح فلا يعتد به ومن كان هذا